مصطفى صادق الرافعي
215
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
غيره صلّى اللّه عليه وسلم وإنما كل ذلك تفسير طبيعي لقوله عليه الصلاة والسلام : « أدّبني ربي فأحسن تأديبي » . على أنه فيما كان وراء عمل الشعر وتعاطيه وإقامة وزنه ، يحب هذا الشعر ويستنشده ، ويثيب عليه ، ويمدحه متى كان في حقه ولم يعدل به إلى ضلالة أو معصية ، والآثار في هذا المعنى كثيرة لا نطيل باستقصائها ، ولولا أن ذلك قد كان منه صلّى اللّه عليه وسلم لماتت الرواية بعد الإسلام ، ولما وجد في الرواة من يجل وكده حمل الشعر وروايته وتفسيره واستخراج الشاهد والمثل منه ، وكأنه عليه الصلاة والسلام حين سمع الشعر وأثاب عليه ورخص فيه لم يرد إلا هذا المعنى ، والشاهد القاطع قوله في أمر الجاهلية : « إن اللّه قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته « وبمثل هذا القول استأنس العلماء وتجردوا للرواية وتملئوا منها . رحمهم اللّه وأثابهم بما صنعوا ! . وقد كان له صلّى اللّه عليه وسلم شعراء ينافحون عنه ، ويتجارون مع شعراء القبائل الأحاديث والأفانين ، ولم يقمهم هو ولكن أقامتهم العادة العربية التي جعلت قولهم أشد على بعض العرب من نضح النبل ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بالفخر ، ولم يبعث للهجاء ، وقد ترك عادة العرب ونخوة الجاهلية في مثل ذلك ، ولكنهم لم يتركوها في أول العهد بالرسالة ، فكانوا يهيجون عليه شعراءهم ، ويحرضون خطباءهم ، ويقصدونه بالأقاويل يستطيلون بها عليه ، فإذا أتاه الوفد منهم : كبني تميم حين جاءوه بشاعرهم الأقرع بن حابس « 1 » وخطيبهم عطارد بن حاجب ؛ ينادونه من وراء الحجرات : يا محمد ، اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك ، فإن مدحنا زين وذمنا شين - رماهم بمثل خطيبه ثابت بن قيس شمّاس . أو بأحد شعرائه عبد اللّه بن رواحة وحسّان بن ثابت وكعب بن مالك ، فضغموا الشعراء والخطباء ، وأبلغوا في الرد عليهم ، تأييدا من اللّه في المنافحة عن نبيه ، وردا لكيدهم الذي يكيدون . ولقد كانت السابقة في ذلك لحسان رضي اللّه عنه ، وكان ذا لسان ما يسرّه به معقول من معدّ وكأنما زاد اللّه فيه زيادة ظاهرة ؛ وهو الذي قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، « قل وروح القدس معك » فكان إذا أرسل لسانه لم يجدوا له دفعا ، وإذا مسهم بالضر لم يجد شعراؤهم نفعا ، وإذا وضع منهم لم يستطيعوا لما وضعه رفعا :
--> ( 1 ) وكان شاعرهم أيضا الزبرقان بن بدر ، وهو الذي فاخر بهم يومئذ ، فلما أجابه حسان رضي اللّه عنه بأبياته العينية المشهورة ؛ قال الأقرع بن حابس : وأبي ؛ إن هذا الرجل يعني النبي صلّى اللّه عليه وسلم لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ، وأصواتهم أعلى من أصواتنا . ثم أسلم القوم جميعا ! .